ابو القاسم عبد الكريم القشيري
141
الرسالة القشيرية
فلو تغافل عن إحساسه بنفسه وأبناء جنسه ، فأىّ أعجوبة فيه ؟ ! . فمن فنى عن جلهه بقي بعلمه . . ومن فنى عن شهوته بقي بانابته . . ومن فنى عن رغبته بقي بزهادته . . ومن فنى عن منيته « 1 » بقي بإرادته « 2 » تعالى : وكذلك القول في جميع صفاته : فإذا فنى العبد عن صفته بما جرى ذكره ، يرتقى عن ذلك بفنائه عن رؤية فنائه وإلى هذا أشار قائلهم : فقوم تاه في أرض بفقر * وقوم تاه في ميدان حبه فأفنوا ثم أفنوا ثم أفنوا * وأبقوا بالبقا من قرب ربه فالأول أفناه « 3 » عن نفسه وصفاته ببقائه بصفات الحق . ثم فناؤه عن صفات الحق بشهوده الحق . ثم فناؤه عن شهود فنائه باستهلاكه في وجود الحق . ومن ذلك : الغيبة والحضور فالغيبة : غيبة القلب عن علم ما يجرى من أحوال الخلق ، لاشتغال الحس بما ورد عليه ، ثم قد يغيب عن إحساسه بنفسه وغيره ، بوارد من تذكر ثواب ، أو تفكر عقاب . كما روى أن : الربيع بن خيثم كان يذهب إلى ابن مسعود ، رضى اللّه عنه ، فمر بحانوت حداد ، فرأى الحديدة المحماة في الكير ، فغشى عليه . . ولم يفق إلى الغد . فلما أفاق ، سئل عن ذلك ، فقال : تذكرت كون أهل النار في النار : فهذه غيبة زادت على حدها ، حتى صارت غشية .
--> ( 1 ) طلبته . ( 2 ) وفي نسخة ( بإرادته ) فقط . ( 3 ) وفي نسخة ( فناؤه ) .